‏إظهار الرسائل ذات التسميات إنتشار الاسلحة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إنتشار الاسلحة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 16 مايو 2014

نشر الكراهية باسم الدين



المسلم طيب وديع،هذا ماقرأناه في الصغر،وهذا ما علمه لنا اساتذتنا في صفوف الابتدائي،وكنا سعداء ونحن نقرأ في حصة المكتبة عن قصص التراحم في مدينة رسول الله عليه أفضل الصلوات والتسليم،وكيف كان اليهود يعيشون في دولة مدنية بكامل حقوق المواطنة.
كيف حدث وأن تحول الاسلام والمسلمون الى شيء يثير الخوف والقلق لدى غيرهم،وكيف تحول المجتمع الاسلامي المتجانس مع غيره الى مجتمع يعاني من حالة انقسام وكراهية!!
أنظمة دكتاتورية وفرت ارضاً خصبة
ابتليت البلدان العربية بانقلابات عسكرية تحولت الى انظمة شمولية تتبنى دكتاتوريتي الفكر والسلطة،حكمت البلدان العربية بالحديد والنار،وأفرغتها من نخبها وقياداتها المجتمعية،وكانت البلدان العربية خاصة الشرق اوسطية تشهد تنوعاً دينياً ومذهبياً،وتتعايش مجتمعاتها سلمياً،إلا أن هذه الانظمة الشمولية تصادمت مع النخب بما في ذلك النخب الاسلامية ماأدى الى التضييق على الكليات الشرعية كما حدث في ليبيا عبر اقفال نظام القذافي لجامعة ابن السنوسي وعدة كليات شرعية أخرى والتضييق على وزارة الشؤون الاسلامية وتفريغها من محتواها.
أصبحت البلدان العربية بشكل عام وليبيا بشكل خاص جاهزة لاستقبال أي فكر في ظل افتقار البلد للقدرات العلمية القادرة على التصدي للافكار المتطرفة بأسلوب يستند الى قواعد الشريعة السمحاء، وهكذا وفرت هذه الانظمة بيئة مناسبة لنشر فكر الكراهية الذي استند في وجوده على اشاعة الكراهية للحاكم والمحكومين.
احتكار الدين
خلال احتلال الاتحاد السوفيتي لافغانستان،تم مخاطبة الشباب العربي والاسلامي بشكل عام بالتوجه للمشاركة فيما اطلق عليه وقتها - الجهاد - قبل أن يسمى لاحقاً من ذات الخطباء والمشائخ إرهاباً،ووزعت مئات الالا ف من أشرطة الكاسيت لخطباء يحرضون الشباب على الانخراط في الجهاد الافغاني،هب عدد كثير من الشباب الليبي الذي ضاق ضرعاً من قمع النظام وتضييقه عليهم وتعطشهم لدراسة الشريعة،انتقل الشباب من بيئة لاخرى تشبعوا فيها بافكار غريبة عليهم،وبعد إنتهاء الحرب الافغانية السوفيتيةوبداية الحرب الافغانية الافغانية والتي كانت تتركز على عدة أسس منها ثقافة الكراهية أو ما سُمي وقتها - بالتصفية والتربية- ومنابذة الفرق الضالة،وهكذاعاد بعض هؤلاء بثقافات جديدة وغريبة على مجتمعهم واصبحوا وكأنهم هم من يمثل الحق بل ويمثل الله في المنطقة العربية .
ولقد ساهم الدعم المالي الكبير الذي بُذل من دولة خليجية من اجل توزيع مطويات وكتب تروج لهذا التوجه في تغيير الخارطة المذهبية في عدة دول منها ليبيا،ويمكننا القول أن نسبة ليبيا للمذهب المالكي حالياً هي مجافية للواقع فحتى فتاوى الزواج والطلاق يطلبها غالبية من هم في سن الشباب من علماء لاينتمون للمذهب المالكي.
وأصبح هناك تقاطع حاد بين جيلين،جيل يحتكر الحق ولايرى ممثلاً له سواه،وجيل يرى أنه على الحق لكنه غير قادر على مواجهة الحجة بالحجة لقلة العلماء بعد أن قضى عليهم النظام.
ولم يقتصر الأمر على البلدان العربية بل تجاوزها الى البلدان الاوربية التي كان المهاجرون من البلدان العربية والاسلامية يجدون فيها الملجأ من قمع أنظمة بلدانهم.
وتم فصل المسلمين من الاندماج في المجتمعات الغربية الحاضنة لهم وبدلاً من أن يكونوا مؤثرين فيها وفاعلين في حراكها حصلت حالة من التقوقع سرعان ماتحول خلالها الشباب المسلم الى مواجهة الغرب أو الرحيل عنه للجهاد في بلدان يحاربها الغرب أو يبدو كذلك.
النموذج الطالباني لا النموذج الاسلامي
أسست طالبان إمارة في افغانستان بعد بسط سيطرتها عليها،وبدأت في تطبيق ماأسمته الشريعة الاسلامية،وكان أول حراك صُدم العالم به هو هدم تماثيل بوذا التي اعتبرتها منظمة اليونسكو تراثاً إنسانياً،وكانت فتاوى واجتهادات فقهائها تتحول الى قوانين تطبق بقوة السلاح.
وثق النشطاء جرائم الحركة ضد الانسانية التي كانت ترتكب باسم الدين الاسلامي،وأصبح النموذج الطالباني ملهماً للعديد من الجماعات المتطرفة رغم انهياره،وبعد الغزو الامريكي للعراق ظهر نموذج طالباني سمي (داعش) في العراق الذي كرس من ثقافة الكراهية بل وشهدت ثقافة الكراهية تطوراً عبر تحولها الى اجتثاث وتطهير عرقي وأصبحت المخالفة في الدين والمذهب موجبة للحد - الداعشي - وأصاب سوريا ماأصاب العراق وشهدت القرى السورية الواقعة تحت سيطرت - داعش - جرائم ضد الانسانية البست ثوب الشريعة ظلما وزوراً،ولايزال المواطن العربى والمسلم مصدوماً قبل غيره أين كانت هذه الكراهية وكيف خرجت،بعض المتباكين على رحيل الطغاة ارجعوا السبب الى ما اسموه فقدان الامن والامان برحيل تلك الانظمة،فيما يرى آخرون أنه لولا تلك الانظمة ماظهرت هذه الموجة من التطرف والكراهية.
لاشك أن فشل صناع القرار والساسة في دول الربيع العربي في ايجاد صيغة توافقية لمفهوم المواطنة،سوف يتيح المجال لنشر المزيد من ثقافة الكراهية.
الاستبداد هو بيت الداء لذا فإن الرجوع لتلك الحقبة هو رجوع لاسباب نشوء التطرف.
ينبغي على الساسة خاصة في ليبيا وضع تعريف توافقي لمفهوم الدولة المدنية التي يتمتع فيها الليبي بكامل حقوق المواطن الاصيل.
فهذا هو البداية الحقيقية لنزع جذوة هذه الظاهرة من المجتمع الليبي.



عبدالمنعم الشوماني

الجمعة، 14 فبراير 2014

ديمقراطيتنا المترنحة بين اللفظ والمعنى


الديمقراطية لفظ اثير حوله جدل كثير، واختلف في تفسير معناه الفلاسفة والمفكرون والمثقفون ورجال الدين. ولقد لبست كثير من الأنظمة الأستبدادية والأحزاب السياسية “المؤدلجة وغير المؤدلجة” عباءة الديمقراطية، واسترسلت بأسمها في ممارسة الظلم والصلف والتسلط والكبت وإنتهاك الحقوق ومصادرة الحريات “مستخفة” بكينونة الأنسان ومنظومة المشاعر والأحاسيس والقيم الأخلاقية والجمالية الكامنة في داخله. فالديمقراطية نتاج فلسفي من نتائج تطور المجتمعات الأنسانية عبر العصور، وثمرة حضارية من ثمرات نضال الشعوب من اجل إنتزاع حقوقها المغتصبة.
 
فالفطرة البشرية تأبى حياة الذل والمهانة، وهي محرك حيوي يدفع الأنسان للمجاهرة والمطالبة بحقوقه بصورة سلمية. ولقد تعلمنا من دروس التاريخ أن الشعوب الحية قد تلجاء إلى إستخدام العنف والقوة من اجل نيل حريتها وحقوقها وهي على إستعداد أن تسقي نبتة الحرية بدمائها، وتحرص على نمو شجرة الديمقراطية كي يستظل تحت اغصانها المظلومين والمضطهدين. فالديمقراطية كلمة ذات اصل يوناني تعني “سلطة الشعب” اي حكم الشعب لنفسه عن طريق اختيار حكامه. ولقد مارس الأغريق هذه النظرية في أثينا واسبرطة وهي تعبر اليوم عن النظام السياسي والأقتصادي في العالم الغربي.

تنظر الكثير من الشعوب اليوم إلى النظام الديمقراطي نظرة تفاؤل، وترى فيه حلاً لأزماتها السياسية، وبلسماً يداوي جراحها المثخنة بالظلم والأستعباد. وهناك علاقة وثيقة بين الديمقراطية العادلة بشعارها: ” وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ” وإستتباب الأمن، وهما العنصران الأساسيان اللذان يتم بهما الوصول إلى الأستقرار السياسي والنمو الأقتصادي. وهذان الأمران لا يمكن أن يتحققا على الوجه الصحيح إلا إذا تمتعت سلطة القضاء بالأستقلالية عن نفوذ وهيمنة بقية السلطات. فالأستقرار والنمو يساهمان فى المحافظة على إستقلالية القرار الوطني وتحرير إقتصاده من التبعية. ومتى تحقق الأستقرار واتضحت الرؤية يصبح بالأمكان ممارسة “الشورى” او “الديمقراطية” بسلاسة ويسر. فالهدف هو إقامة العدل وتحقيق السلم الأهلي من دون تضييع الجهد والوقت في محاولة معرفة ايهما اتى اولاً “الدجاجة وللا الدحية” بحسبي ان كلاهما له مذاق لذيذ ويعطيان الطعام نكهة رائعة.

وقد يتسأل سائل: هل الديموقراطية التى نطمح اليها تمثل “معتقداً” يعتنق ام “الية” تتحقق بها اهداف نبيلة سامية؟ وهل ثقافة وحضارة الليبيين اليوم تؤهلهم لممارسة الديموقراطية ام هم جزء من مجتمعات متخلفة تعيش على هامش الحضارة لا تفقه ابجديات الشورى ولاتكترث بمعانيها؟

يدرك الجميع أن الديمقراطية ليست قطعاً من الحلوى يتم إستيرادها معلبة من وراء البحار بخلطة تناسب مذاقنا، كما أنها ليست ثياباً تفصل على مقاسنا. فالديمقراطية ثقافة “محلية” منبعها اخلاقيات وقيم المجتمع تؤصل بمبداء قبول الأخر والحرص على التعاون معه من اجل منفعة مشتركة تعود على الوطن بالخير والأستقرار والأمن والسعادة والرخاء.

الديمقراطية هدف لا يمكن تحقيقه على يد فرد مستبد، لكنها ممارسة جماعية وتطبيق شامل لمبداء الشورى من دون هجاءِ ونعيق. فمن لا يكفل للأخر حقه في التعبير عن افكاره وارائه بحرية، ومن يضيق صدره من مبداء تداول السلطة سلمياً عبر صناديق الأقتراع هو نسخة مكررة لدكتاتور “كذاب اشر” لايحترم إرادة الشعب ولا يقدر حجم تضحياته. وهنا تأتي اهمية وعي المجتمع بالمفاهيم والمصطلحات حتى لا يتم خداعه مرة اخرى على يد سماسرة السياسة. إذاً الديمقراطية وسيلة تمكن المواطنين من إختيار حكامهم وممثليهم، ونمط حكم حضاري ينظم شئون المجتمع على اسس واطر قانونية دستورية. وسيظل وعي”المواطن” دائماً هو الفيصل والعامل الفاعل الذى يؤثر فى إنجاح هذه المهمة الحضارية.

لأبد من الأعتراف هنا ان الديمقراطية “المثلى” عملية يتطلب الوصول اليها وقتاً طويلاً إلا أن وضع اللبنات الأولى وبصورة صحيحة تقيم بناءً شامخاً عتيداً. فالديمقراطية ليست مصطلح غريب على الليبين او تعريف دخيل على القاموس السياسى الليبي، بل هي “ديناميكية” سطرها اجدادنا فى مبادئى دستور حضارى قبل نصف قرن ونيف من الزمان، وطبقوها بقدرٍ “متواضع” قبل جريمة العسكر الشنعاء فى سبتمبر 1969.

اليوم وقد تهاوى الصنم الأكبر، وتم كسر إستبداده، وطويت برحيله صفحة التخلف السياسى … والظلم الأجتماعي … والقهر النفسي يُنْصَحُ كل من يريد أن يتولى امر الناس، ويسوس شئونهم إدراك “حقيقة” أن الشعوب قد “تصبر” لكنها ليست “بميتة”. فمحاولات فرض الأستبداد بممارسة الدجل السياسي تحت فوهة البندقية، وعدم الرضوخ والأنصياع لرغبات الشعب وإرادته، ورفض القبول بعملية التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الأقتراع ستجعل مؤخرة من يمارسها في مرمى “كاتشوات” الجماهير الغاضبة.

قد يقول قائل ان قيم الأسلام لا تقر ولا تتوافق مع المبادئى الأساسية للديمقراطية. ما اراه أن هذا الأدعاء تزييف للتاريخ ومحاولة تشويه سمجة لهذه الحضارة التي اسهمت وتُسْهْمُ في بناء الأنسان وتعمل على ضمان حريته. فالأسلام تميز بمنهجية متفردة تحقق التوازن بين متطلبات الحياة الدنيا والحياة الأخرة. فأن كانت الديمقراطية تعنى تمكين الشعب من تولى زمام امره، وتأكيد حقه فى إختيار وعزل ومسألة قيادته السياسية، ووسيلة حضارية تُسَهٍلُ عملية التداول السلمي للسلطة فيما بين المكونات السياسية للمجتمع دون المساس بجوهر العقيدة فهى بالتأكيد نمط حضارى يقره الأسلام قبل غيره. فالعبرة بالغايات وجلب المصالح وليس بالجمود والتكلس حول لفظ لغوى لا يتم الغوص في اغواره لمعرفة المقاصد التي يحملها بين طياته. يبدو اننا في حاجة اليوم “لتعريف” لمسميات بصورة ادق حتى يسهل معها فهم “الدال والمدلول”، وتحديد المعنى والغايات بصورة تبدد الشكوك وتريحنا من مسألة تأويل النيات.

تحدثنا روايات صدر الأسلام ان نقاشاً حميمياً دار بين الأمام على ونجله الحسن (رضى الله عنهما) حول مفهوم الشورى ومن هم المكلفون بها. وقد خلص الأمام (كرم الله وجهه) الى ان كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار هم “وحدهم” اهل الحل والعقد المناط بهم امر الشورى، غير ان ابنه (رضى الله عنه) رأى خلاف ذلك. فقد تنبه الأمام الحسن (رضى الله عنه) الى ان الدولة الأسلامية قد اتسعت رقعتها، وتباينت لغات اهلها، وتعددت اجناس مواطنيها ولم يعد من مكوناتها “فقط” اولئك الرجال السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين تعارفوا فى ساحات الدعوة والجهاد بل اصبحت دولة تضم في جنباتها اقواماً من “الطلقاء” والعرب والعجم الذين لم تصقلهم التجربة، ويسكنها خليط من امصار متباينة الثقافات والفنون والعادات والتقاليد. لهذا رأى الأمام الحسن (رضى الله عنه) ان منظومة اهل “الحل والعقد” يجب أن تتسع دائرتها لتضم إلى جانب السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ممثلى الأمصار والأقاليم المختلفة. ويعد طرح الأمام الحسن طرحاً حضارياً منفتحاً إستنبطه من قرأته لواقع وتركيبة المجتمع الأسلامى الجديدة. فلقد لاحظ ببصيرته أن هناك مستجدات تفرض نفسها في الساحة السياسية الأسلامية مما يتطلب تبنى اليات واساليب تتلائم مع الثوابت والمتغيرات، وتتناسب مع تغير ظرفي الزمان والمكان. الية حضارية فرضها (فقه الواقع) تم من خلالها “تطبيق” حكم الشرع، وروعى فيها “حصول” المنفعة، وهذا التصور ليس “معتقداً جديداً” يغير من جوهر وروح الدين الأسلامي كما يظن المتنطعون والخوارج، لكنه إنفتاح وتطور فكري يستوعب المتغيرات “الأيجابية” في المجتمع ويُحْسِنُ التعامل معها.



امين الهوني

الخميس، 6 فبراير 2014

إستنساخ التطرف


تعاني البلدان العربية من موجه تطرف منذ عقود ولازالت ، ولقد حاولت الانظمة الحاكمة والمؤسسات المدنية الحد من نزعها دون معرفة الاسباب الحقيقية لها ، وفيما يلي نلقي الضوء على ما نعتقده أسباباً حقيقية لهذه الظاهرة ومعرفة جذورها الضاربة في تاريخنا الاسلامي وهل نحن بحاجة لمراجعته والفصل بين السياق التاريخي للامة والشريعة الاسلامية.

التعامل النبوي مع هذه الظاهرة :
كان النبي عليه أفضل الصلوات والتسليم لايترك موقفا ينم عن تطرف إلا وصححه وحذر المجتمع منه ووضع ضوابطاً لضمان عدم تكراره ، وقد كان التعامل النبوي حازماً وواضحاً مع بعض الحوادث التي وقعت في حياته فهو زجر اسامه بن زيد لما قتل رجلاً في أحدى المعارك بعد أن تلفظ بالشهادتين ، فقد قال له ( أقتلته بعد أن قالها ) فرد اسامه ( ماقالها إلا تقيه ) وهنا حدد التبي الكريم قاعدة مهمة في التعامل وهي - الاخذ بالظاهر - قائلاً له ( افلا شققت على قلبه ) ، كما حدد لنا في تعامله مع الرجل الذي قال له ( أعدل ) وقد قال لنا الرسول الكريم ( يخرج من ضئضي هذا قوم ... الخ ) ولئن ادركتهم لاقتلنهم قتل عاد ، فهو لم يقتل الرجل لفكره المتطرف لكنه حدد لنا الافعال التي توجب التصدي لامثاله وهي ارتكاب فعل ( القتل ) تجاه المجتمع.

كما أن أخباره لحذيقه ابن اليمان بأسماء من يضمرون النفاق - وهو فعل يوجب الرده - دون أن يأمر بقتلهم أو حتى محاكمتهم وهم كانوا يشكلون تنظيماً سرياً يعمل ضد كيان الدولة الاسلامية في المدينة ، هذه الامثلة الثلاثة وغيرها كثير تبين لنا قواعد مهمة لو أحسنا زرعها في الاجيال القادمة لحفظناها من ظاهرة التطرف ، بدلاً من تدريسهم مواقف تاريخيه تكمن في عقلهم الباطن وتخرج في وقت ما لتشكل أساساً لتطرفهم.

أحداث تاريخية وليست مواقف شرعية :
كتب التاريخ الاسلامي وحتى كتب الفقه ملأ ببعض الحوادث التي هي بالاساس مواقف لها أسبابها المذهبية والعرقية والسياسية ولكنها لاتستند على أساس متين من الشريعة مثال ذلك القصة المشهورة التي تذكر على سبيل المدح في التعامل مع المخالفين - الضالين - قصة التعامل مع ذبح خالد القسري للجعد بن درهم - على عتبات المنبر صبيحة عيد الاضحى ، وقد قال قبل أن يذبحه ياأيها الناس ضحوا فإنني مضحي بالجعد بن درهم ، وهي حادثة مشهوره لايزال بعض الدعاه يذكرونها في خطبهم على سبيل المدح دون أن يكلفوا أنفسهم التحري عن الاساس الشرعي لها ، ولنا أن نتصور كيف تستقر هذه الحادثة - الشنيعة - في ذهن الطفل أو المراهق،

 خاصة عندما يجد أعلاماً كباراً مدحوا هذه الجريمة دون سند من الشريعة فهذا أبن القيم يمدح خالد القسري في نونيته قائلاً :
شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان
فمتى جنح نحو التطرف ظهرت هذه الحادثة من عقله الباطن لتتحول الى تطبيق عملي ، ولقد عشنا حالات ذبح يفخر فيها شباب مسلمون بذبح ضحاياهم أمام الكميرات وسط صيحات التكبير ظناً منهم أنهم بهذا الفعل يكونون خير خلف لخير سلف .
الواجب على العلماء والدعاه والمؤسسات التعليمية التفطن لهذه الاحداث وفصلها عن كتب الفقه والعقائد وإن اضطر لسردها فتسرد في أضيق الحدود مع بيان الموقف الشرعي المرتكز على ثوابت الشريعة منها.

الخطاب الديني المرتكز على أساس سياسي لا شرعي :
إرتباط الخطاب الديني بالتوجه السياسي لبعض الدول كدرس من روح الانقسام في بعض المجتمعات الاسلامية ذات التنوع المذهبي أو الديني بل وتعداها لغيرها عبر تصدير الخلاف السياسي على أنه خلاف فقهي أو عقدي بل وتعداها الى غيرها من المجتمعات عبر سياسة تصدير المشاكل.

فمثلاً نلحظ أن الخلاف السياسي بين نظامي عبدالناصر وال سعود خلال عقد السبعينات شهد إستقبالاً لاعداد كبيرة من معارضي نظام عبدالناصر سواءً من حركة الاخوان المسلمين أو غيرها ولو لاحظنا الخطاب الديني في السعودية في تلك الحقبة لما وجدنا حالة الخصام الحادة التي تشهدها حقبتنا الحالية بين التيار السلفي الوهابي وحركة الاخوان المسلمين خاصة والاسلام السياسي عامةًً ، كما أن الموقف السياسي من الاجتياح السوفيتي لافغانستان في سبعينات القرن الماضي تبعه خطاب ديني حرض الشباب في عدة بلدان للتطوع في الجهاد هناك - قبل أن يسمى لاحقاً إرهاباً - وقد تجنب الخطاب الديني - الموجه - في تلك الحقبة الحديث عن الاختلاف المذهبي وثقافة التصنيف الفكري المنتشرة حالياً ، فكان الشباب العربي السني وحتى السعودي يذهب للقتال في صفوف المجاهدين الافغان السنة والشيعة على السواء.

لكن مع إنتهاء فترة الحكم الناصري وإضمحلال المد العروبي المعادي للنظام الملكي في السعودي ، وإنهيار النظام الشيوعي السوفيتي الداعم للانظمة والاحزاب الاشتراكية في المنطقة العربية ، اتخذ النظام السعودي موقفاً معادياً من الحركات التي كان مستضيفاً لها في وقت مضى خاصة مع حالة الانقسام العربي التي اتبعت اجتياح العراق للكويت .
وظهر خطاب ديني مدعوم من السلطة السياسية في السعودية يرتكز على منابذة الفرق الضالة - حسب وصفه - وتبني موقف معادي لها ، وتصدير هذا الموقف للبلدان العربية ، وقد صور هذا الخطاب الديني على أن الخلاف بين الدولتين السعودية والايرانية أساسه خلاف عقدي بين فرقة ناجية وأخرى ضالة ، وعمق هذا الخلاف من ظاهرة الاحتقان بين السنة والشيعة وما أن بدأت الثورة السورية - التي هي بالاساس قائمة على مباديء تحقيق العدالة وليس على أساس مذهبي او عقدي - حتى ظهر خطاب موجه صور الثورة السورية على انها حرب بين أهل السنة الاخيار والشيعة الاشرار وارتكبت بسببه عدة مجزار داخل الاراضِ السورية وخارجها ،حتى شهدنا حالة ذبح لمواطن سوري بمدينة درنة الليبية التي يقيم فيها منذ عقود لا لشيء إلا في حالة انتقام من افعال شيعة العراق تجاه اعدام شبان ليبيين هناك ، ولانغفل أيضاً الخطاب الايراني المضاد الذي دأب على إستخدام الخطاب الديني التحريضي في مواجهة خصوم السياسيين.

ولو تمعنا قليلاً في سلوك النظامين السعودي والايراني لوجدناهما يحملان تناقضاً كبيراً يوضح أن الدين يوظف لخدمة السياسة وليس العكس ، فالدولة السعودية ربطها علاقة متينة بالسلطنة العمانية ذات المذهب الاباضي - الخارجي - وعلى الرغم من ان المؤسسة الدينية السعودية تتبنى كشف الفرق والطوائف المخالفة إلا أنها تتجنب الحديث عن السلطنة ، كذلك تفعل الدولة الايرانية فهي تربطها علاقة جيدة بالسنة الاكراد.

ولا شك أن هاتين الدولتين لعبتا ولاتزالان الدور الاكبر في تغذية موجه التطرف بما لهما من حظوة دينية لدى المذهبين السني والشيعي.

التطرف ليس هو حالة القتل والاغتيال بل تظل هذه الافعال صور نهائية للتطرف أما التطرف فحسب وجه نظري هو التحريض على هذه الافعال بالتصريح أو التلميح ، فمن يعتبر ممارسة العمل البرلماني كفراً وردة ، ولايرى نظاماً إسلامياً سوى النسخة السعودي هو مرتكب لفعل التطرف حتى وإن استهجن اغتيال البرلمانيين أو العسكريين في وقت لاحق .



عبدالمنعم الشوماني



الأربعاء، 27 نوفمبر 2013

المصالحة...الحق المغلوب والنقلة النفسية المطلوبة



ثورة 17 فبراير علمتني عظمة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وشجاعته في تحقيق العفو والصفح وكسب القلوب وتجفيف منابع المعارضة المحاربة، وعلمتني أيضاً أن العفو والصفح لا يستطيعه إلا الرجال أصحاب الخصال الكريمة. كنا نقرأ قول المصطفى صلى الله عليه وسلم لقومه "أذهبوا فأنتم الطلقاء"، قراءة عابرة دون قياس مدى صعوبتها ولا صعوبة جعلها واقعاً ملموساً تتقبله النفس البشرية بسهولة ويسر. هذا الأمر لا شك يتطلب شجاعة لا يستطيعها إلا من تعلم خُلق العفو والصفح ومآلاته من مشكاة النبوة. بهذا الإعلان استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يحقق السلم الإجتماعي يكبح فيه روح الإنتقام وتكسب به القلوب. بهذه النقلة النفسية أجبر الرسول صلوات ربي وسلم عليه قومه على إحداث نقلة نفسية مماثلة، فاسلموا جميعاً واتجهوا مباشرة لقطف ثمار هذا الخُلق النبيل.

وفي حالة جنوب افريقيا وبعد أن انهكتهم سياسة التفرقة العنصرية سنين طويلة قام رئيسها دي كليرك بخطوة شجاعة. لقد كانت شجاعة رجلٌ مثل دبليو دي كليرك بمثابة يقظة بعد غفلة وحرص بعد تفريط فقال، تسعة أيام قبل إطلاق سراح الزعيم نلسون مانديلا في فبراير 1990، أمام البرلمان "لقد آن الأوان لكي نخرج من دائرة العنف نحو السلام والمصالحة". الرجل، بعد أن وصل إلى طريق مسدود، علم أن مصلحة وطنه ومواطنيه تكمن في إحداث نقلة نفسية شجاعة بعد تجربة مريرة اثبتت مساويء سنين الظلم والقهر والاستبداد. السود انفسهم بقيادة الزعيم نلسون مانديلا أحدثوا نقلة نفسية متميزة في طي صفحات الألم واستبدالها بصفحات الأمل، فلم ينتقموا وساروا في أعظم عملية سلام عرفها العصر الحديث.

لاشك أن عقودا أربعة من الاستبداد تحمل في طياتها قائمة سوداء من الجرائم المختلفة التي قام بها النظام السابق واتباعه. ولاشك ايضاً أن هناك قائمة سوداء أخرى سجلت بعد تحرير البلاد. ثورة 17 فبراير نجحت في اسقاط نظام مستبد لكنها لم تنجح حتى الآن في قيام دولة العدل ودولة القانون التي ضحى من أجلها شبابنا. روح الانتقام والتشفي والتشنج سادت في النفوس وساد معها القتل والسجن والتعذيب والخطف والاغتيال والعبث بالمال العام.

إذاً نحن بحاجة إلى نصرة الحق بتحقيق الصلح والتصالح وبإحداث نقلة نفسية نوعية تنقل البلاد كل البلاد، وتنقل المواطنين كل المواطنين من شفا جرف هار من دوران الانتقام وبث الكراهية ونشر الفوضى إلى عالم يسوده الأمن ويعمه الاستقرار ويحذوه الأمل. هذه النقلة النفسية هي عبارة عن انتقال الانسان من حالة التخلف والفوضى إلى حالة مواجهة الحقيقة المرة بكل شجاعة وجسارة.

صاحب العدد والعدة أو المنتصر عليه أن ينتبه إلى أهمية النقلة النفسية المطلوبة منه فيجلس بكل شجاعة مع من هو دون ذلك يقر ويواجه افعاله بكل شجاعة ويقر بكامل أخطائه التي ارتكبها في حق المهزوم. يبدئ إستعداده لمواجهة تبعات أعماله واستعداده ايضاً لجبر الضرر الناتج عن هذه الأعمال قبل فوات الأوان. كما أن الطرف المقابل بحاجة إلى نقلة نفسية تستوعب الحاجة إلى قبول الواقع المر، الذي ساهم فيه، والناتج عن الاستبداد الذي احتاج إلى عملية استئصال معقدة نتج عنها إنهيار كامل لكل مؤسسات الدولة مع ما ترتب من حصاد مر للعقود الأربعة فنشأ فيها إنسان مشوه مليء بالعاهات والأحقاد والعقد والأمراض جعلته يقدم على مثل هذه الأعمال المقيته.

هذه النقلة النفسية تتطلب أيضاً أن نتعامل مع الوضع الحالي كمشكلة يشارك في حلها كل الشعب الليبي بعيدأ عن معادلة المنتصر والمنهزم. فكما ذكرت في مقال سابق فإن التحديات التي تواجه الشعب الليبي كثيرة ومترابطة ومعقدة ومتشابكة وبحاجة عند مواجهتها إلى جهود جميع أفراد الشعب الليبي بدون إستثناء. علينا جميعاً أن نتجاوز هذه المحنة بنقلة تمكننا من الإنسحاب من براثن المعارك الوهمية إلى حقيقة المعارك مع التحديات الخطيرة التي تهدد الوطن بأكمله.

ففي المجال الاقتصادي يعد الاقتصاد الليبي غير متنوع ويعتمد على ريع النفط بالدرجة الاساسية، كما أن هناك ظاهرة البطالة المتصاعدة بنوعيها المقنعة والمكشوفة وهناك الفقر والتفاوت في الدخول وهناك بنى أساسية متهالكة وتغول القطاع العام على القطاع الخاص وانتشار الفساد ووجود مستوى عالى من الأمية وضعف مساهمة الشباب والمرأة في مناحي الحياة المختلفة وهناك تخلف في مؤشرات التنمية المستدامة وضعف في الانتاج العلمي والثقافي.

وفي المجال السياسي والأمني نجد ليبيا التي تحدها العديد من الدول الآهلة بالسكان ولديها مشاكل حدودية لم يتم ترسيمها بالكامل حتى الآن. وهناك امتدادات جغرافية لبعض المكونات العرقية والثقافية للمجتمع الليبي وبعض الدول المجاورة تمر بنفس الوضع التي تمر به ليبيا أو أنها تعاني من عدم الاستقرار منذ فترة طويلة.

كما أن توطين مواطنين من دول الجوار في الجنوب الليبي وهجرة العديد من أهل الجنوب إلى الشمال الليبي لأسباب متعددة، ساهم في أن يمر الجنوب الليبي بمرحلة أمنية خطيرة تهدد الوطن بأكمله. يضاف إلى كل هذه المشاكل، مشاكل نتجت عن أحداث الثورة، مثل إنتشار الاسلحة والكتائب التي تحولت إلى مراكز إقتصادية ووجود السلاح تحت يد المجرمين الجنائيين الذين أطلق سراحهم النظام السابق وغيرها من المشاكل بين المدن والقبائل والتي كانت من موروثات النظام السابق ونتاج حرب التحرير.

هذه التحديات وغيرها تتطلب تحقيق الغلبة للحق بنقلة ينتج عنها تحقيق المصالحة الوطنية العادلة التي تمكن هذا الوطن من مواجهة هذه التحديات. هذه النقلة النفسية تحتاج إلى إرادة من قبل المؤتمر والحكومة والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني وشيوخ القبائل ووسائل الاعلام وقادة الرأي العام وكل الشخصيات الوطنية الصادقة. هذه الإرادة يجب أن تترجم في حوار لا يقصى أحداً ولا يسثنى موضوعاً، وينتج عن هذا الحوار آليات حل النزاع وجبر الضرر وتحقيق العدالة ومد جسور العلاقات بين المتخاصمين.

هذه النقلة هي تحقيق الغلبة للحق وانتصار له. هذه النقلة استطاع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم نقل مجتمع تملؤه الكراهية وروح الانتقام إلى مجتمع متراحم ومتلاحم. هذه النقلة تحلى بها ايضاً قادة جنوب افريقيا فساهمت في نقل المجتمع المتحارب إلى مجتمع متصالح يتحمل جميع ابنائه مسئولية قيادته وبناءه ونحن اليوم في ليبيا في أمس الحاجة إلى هذه النقلة التي ينتصر فيها الصلح والتصالح ويستشعر فيها الجميع أهمية رتق النسيج الاجتماعي وإصلاح ذات البين من خلال حوار شامل يحقق العدل والمصالحة التي يشارك في صناعتها المجتمع بأسره، والتي من شأنها أن تساهم في تحقيق تنمية اقتصادية قادرة على مواجهة التحديات وقادرة على تحقيق الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي.



عبدالرزاق العرادي